أحمد زكي صفوت

62

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

58 - مقال علىّ بن المهدى قال علىّ بن المهدى : « أيها المهدى : إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك ، ولم ينصبوا من دونك أحدا ، يقدح في تغيير ملكك ، ويريض الأمور لفساد دولتك ، ولو فعلوا لكان الخطب أيسر ، والشأن أصغر ، والحال أدلّ ، لأن اللّه مع حقه الذي لا يخذله ، وعند موعده الذي لا يخلفه ، ولكنهم قوم من رعيتك ، وطائفة من شيعتك ، الذين جعلك اللّه عليهم واليا ، وجعل العدل بينك وبينهم حاكما ، طلبوا حقّا ، وسألوا إنصافا ، فإن أجبت إلى دعوتهم ، ونفّست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال ، ويحدث من عندهم فتق ، أطعت أمر الرب ، وأطفأت نائرة الحرب ، ووفّرت خزائن المال ، وطرحت تغرير القتال ، وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك ، وسجيّة حلمك ، وإسجاح « 1 » خليقتك ، ومعدلة نظرك ، فأمنت أن تنسب إلى ضعف ، وأن يكون ذلك فيما بقي دربة ، وإن منعتهم ما طلبوا ، ولم تجبهم إلى ما سألوا ، اعتدلت بك وبهم الحال ، وساويتهم في ميدان الخطاب ، فما أرب المهدى أن يعمد إلى طائفة من رعيته ، مقرّين بمملكته ، مذعنين بطاعته ، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته ، ولا يبرءونها من عبوديته ، فيملّكهم أنفسهم ، ويخلع نفسه عنهم ، ويقف على الحيل معهم ، ثم يجازيهم السوء في حدّ المقارعة ومضمار المخاطرة . أيريد المهدى - وفقه اللّه - الأموال ؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم ، وأضعاف ما يدّعى قبلهم ، ولو نالها فحملت إليه ، ووضعت بخرائطها « 2 » بين يديه

--> ( 1 ) الإسجاح : حسن العفو . ( 2 ) جمع خريطة : وهي وعاء من أدم وغيره يصرج على ما فيه .